الأمل في حياة الدعاة
رابطة علماء أهل السنةاليأس والكسل أو القنوط والملل صفات سلبية ينبغي أن تمحى من قاموس الدعاة , على أن يحل محلها الأمل والرجاء والجد والعمل , ولله در ابن مسعود يوم أن قال : الهلاك في اثنتين القنوط والعجب .
إن شعاع الأمل ينبغي أن يضيء جنبات كل مسلم , وإن غيوم اليأس والقنوط والإحباط ينبغي أن تزول بعيداً عن قلب كل موحد , وإن شعلة الأمل ينبغي أن لا تطفئ من قلب كل داعية . ولله در الشاعر حين قال :
واليأس يحدث في أعضاء صاحبه ضعفاً ويورث أهل العزم توهيناً
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أحلك الظروف والفترات ينبع قلبه بالأمل , ويشع فؤاده بالرجاء , وكيف لا وهو القائل صلى الله عليه وسلم : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى " رواه مسلم.
انظر إليه وهو في مكة يوم أن جاءه خباب بن الأرت وقد كوي ظهره بالحديد فيقول للنبي ألا تدعو لنا ؟ ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أعطاه وأعطى الدعاة من بعده درساً في الأمل فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها , فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين, ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه , والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" ( رواه البخاري).
وانظر إليه في هجرته وقد خرج طريداً وحيداً فيلحق به سراقة بن مالك فيقول له : يا سراقة كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسرى ؟ فيقول سراقة : كسرى بن هرمز ؟ فيقول : نعم.
ولهذا اعتبر القرضاوي الأمل إكسير الحياة , ودافع نشاطها ومخفف ويلاتها, وباعث البهجة والسرور، وهو ـ قبل ذلك كله ـ شيء حلو المذاق , جميل المحيا في ذاته , تحقق أو لم يتحقق. (الإيمان والحياة / ص 135).
إن الدعوة إلى الأمل ينبغي أن تكون نصب عين كل داعية , وكم كان هو موفقاً الشهيد سيد قطب يوم أن كتب عن الأمل , وكم كان رائعاً يوم أن جعل أحد عناوين كتبه " المستقبل للإسلام " . وأحسن البنا حين قال: إن حقائق اليوم هي أحلام الأمس , وأحلام اليوم هي حقائق الغد .
ولهذا فإن واقع الإسلام المر الذي يعيشه الناس ينبغي ألا يقطع الدعاة أبصارهم عنده ويوقفوا أعينهم عليه , مستسلمين لليأس أو القنوط , بل ينبغي أن يؤمنوا بأن النصر قادم , وأن الأيام دول , وأن دوام الحال من المحال .
إن ظاهرة الأمل ينبغي أن تترآى في الأفق لكل داعية كما تترآى النجوم لأهل الأرض , ينبغي أن يدرك الناس أن الأمل للمؤمن كالشمس بالنسبة للدنيا , وإذا كانت الدنيا لا تقبل بغير شمس فإن الدين لا يقبل بغير أمل , والسبب في ذلك أن هذه الأمة أمة كتب لها الخلود , وصفة الخلود الموسومة بها هذه الأمة تقتضي أن يظل الأمل معقوداً في موعود الله مهما توالت النكبات, أو ازدادت الأزمات , أو ادلهمت الأمور, بل هذه النكبات وتلك الأزمات لا تقطع الأمل بل تزيده , ولا تزرع اليأس بل تقلعه.
وأختم هنا بقول القرضاوي:
عجبت لهم قالوا :تماديت في المنى وفي المثل العليا ,وفي المرتقى الصعب
فاقصر ولا تجهد يراعـك , إنمـا ستبذر حباً في ثرى ليس بالخصــب
فقلت لهم : مهلاً فما اليأس شيمتي سأبذر حبي , والثمار مـن الـــرب
إذا أنا أبلغت الرسـالة جاهــداً ولم أجد السمع المجيب , فما ذنبـي ؟